PHC 728X90

تواصل اجتماعي لثبات اجتماعي

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة مصر لنشر المعلومات سابقا

عانت مصر والمصريون في السنوات الأخيرة من التضخم وزيادة الأسعار بشكل مبالغ فيه جدًّا خصوصًا في القاهرة والمدن الكبري. مسببات التضخم متعددة بعضها كان ضرورة للإصلاح الاقتصادي والبعض الآخر كان -من وجهة نظري- من الممكن تجنبه.

موجة التضخم تكونت بفعل السياسة الضريبية ورفع الدعم وخفض قيمة الجنية وإضافة هوامش ربح مبالغ فيها في كثير من الأحيان وأسباب عديدة أخرى ليست هي موضوع المقال.

نتج عن التضخم معاناة عائل أو عائلة الأسرة في توفير احتياجات البيت الضرورية من مأكل ومشرب وملبس إلى آخره ومصروفات الصحة والتعليم مما أثقل كاهل كثير من المواطنين الذين اضطروا إلى ترشيد لإنفاقه في بعض الضروريات وانتقلوا إلى شريحة أقل في المستوى الاجتماعي.

ضاعف الأحمال التي أثقلت ظهور الكادحين متطلبات الحياة العصرية التي صارت ضرورة ولم تعد رفاهية مثل فاتورة التليفون المحمول والإنترنت الذي كنت أضحك في نفسي عند سماع شعار إحدى الشركات أنه سيكون في يد الجميع وقد صار.

كبرت القاهرة وبعض المدن أيضًا أصبحت تكاليف المواصلات أيضًا مرهقة لميزانية البيت وصار الجميع في سباق للبحث عن موارد رزق إضافية أو رئيسية لمواجهة التضخم والمتطلبات الجديدة أو على الأقل للاحتفاظ بالمستوى الاجتماعي الذي اعتادوا عليه لسنوات عديدة.

وفرت وسائل التواصل الاجتماعي فرصة ذهبية لكثير من هؤلاء إذ صارت وسطًا غير مكلف للدعاية عن الخدمات والمنتجات بل وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون مجانيًّا أيضًا لكثير ممن احترفوا استخدامها إذ ربطت بين الجميع بسهولة ودون تكلفة أو وسيط. ظهرت صفحات مثلًا على الفيس بوك تجمع المهتمين بمنتجات معينة أو بضائع أو خدمات أو حتى موضوعات أو قضايا.

تجمع هذه الاهتمامات وفرت أسواقًا متخصصة للكثيرين ممن وجدوا فيها وسيلة لترويج منتجات أو خدمات متخصصة تلبي هذه الاهتمامات وغير متوفرة بالأسواق أو أقل سعرًا نظرًا لعدم وجود تكلفة وسطاء محلات ومعارض وما صاحبها من نفقات.

لم يقتصر تقديم تلك الخدمات على شريحة معينة من المجتمع بل طالت كل الشرائح. فهناك مثلًا كثيرات من سيدات المجتمع الراقي اللائي يعرضن بضائع متميزة وماركات عالمية وخدمات خاصة بالتجميل على مثيلاتهن على تلك الصفحات وتكونت آلاف من تلك الصفحات والخدمات على كل الوسائط من فيسبوك وإنستجرام… إلخ.

بل إن صديقًا لي أخبرني أنه كان يبحث عن سباك يقوم بمهمة محددة في منزله ووجد اثنين على وسائل التواصل الاجتماعي يعلنان عن أنفسهما ولما اتصل بهما وأحدهما من محافظات خارج القاهرة الأول له جدول ثابت للأيام المتواجد بها بالقاهرة والثاني يأتي يوميًّا لزبائنه بالقاهرة إن وجدوا. خبرته كانت إيجابية جدًّا في الأمانة والمواعيد وإتقان السباك لعمله والأجرة التي تقاضاها مما دفع صديقي للدعاية له بنفس الطريقة.

إذا وفرت وسائل التواصل الاجتماعي وسطًا خصبًا لريادة الأعمال والتجارة الإلكترونية وتقديم الخدمات لكثير من الباحثين عن مصادر أولية أو ثانوية للرزق من خبراء التجميل وحتى الحرفيين ومن يقومون بتجهيز الوجبات في البيت ولكن تلك الأنشطة الرهيبة لا تزال في المنطقة الرمادية من الاقتصاد غير الرسمي وتقوم تمامًا على المدفوعات النقدية ويمكن أن تتضاعف إن خرجت للنور ولكنها لا تود الخروج لأسباب عديدة أتناول البعض منها وطرق حلها.

أولًا البيروقراطية: ومتطلبات الجهات الرقابية من الشركات وهذه حلها بسيط بالاعتماد التام على التكنولوجيا في التأسيس والمتابعة وهيئة الاستثمار بدأت بجهود جبارة في هذا الطريق تحتاج إلى وتيرة أسرع ودعاية أكبر.

ثانيًا الضرائب: انعدام الثقة بين العاملين بالمصلحة والممولين مشكلة لا بدَّ من وضع حلول جذرية لها وإنهائها فورًا لأن دونها لا ظهور لأي اقتصاد غير رسمي ولا شمول مالي أو تحول من نقدي للانقدي يمكن أن يتحقق.

رقمنة الضرائب والاعتماد على أرقام ثابتة يمكن أن يحول دون التقديرات البشرية من الكوادر التي تعتبر الممول مغالطًا إلى أن يثبت العكس والفئات أو الشرائح الضريبية الثابتة للأعمال المتناهية الصغر تطمئن الممول إلى معرفة واجباته الضريبية مسبقًا وأخذها في الاعتبار هذا الموضوع يحتاج إلى مقال منفصل.

ثالثًا تكاليف التحصيل الإلكتروني: وهي تقدر بمتوسط ثلاثة بالمئة من معظم بوابات التحصيل الإلكترونية خاصة إذا كانت الأعمال ذات حجم متناهي الصغر وتعتمد على البطاقات البلاستيكية وأتمنى أن يتم تخفيضها بجهود البنك المركزي والدولة في الاعتماد على منظومة الدفع الحديثة ووجود كارت ميزة إلا أن المكون الأساسي لتلك العمولة هي البنوك المصدرة للبطاقات والتي نحتاج إلى أن تقلل من مصاريفها لتقليل تلك النسبة لصغر هامش الربح في تلك الأعمال المتناهية الصغر.

رابعًا التعليم المتخصص: تحتاج الدولة أن تقدم مناهج لريادة الأعمال والتجارة الإلكترونية على الأقل في المرحلة الثانوية والبرامج التدريبية المصاحبة لمؤسسات القروض متناهية الصغر لتعظيم فرص من يعمل بها في النجاح على أسس علمية يكلل الاجتهادات الشخصية التي تقوم عليها معظم تلك الأعمال.

نحتاج إلى تضافر الجهود لإنجاح هؤلاء المجتهدين لتخفيف العبء على سوق العمل الذي بات يستقبل ملايين الجدد سنويًّا ولمكافحة الفقر والحفاظ على المستوى الاجتماعي للمواطنين مع دمج هذه الأنشطة في الاقتصاد الرسمي لتحقيق الشمول المالي والتحول لمجتمع لانقدي وهي أهداف تسير مع سياسات الدولة إن لم تكن على قمة أولوياتها.